السيد محمد باقر الخوانساري

171

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات

فجمعوا الأطبّاء لمعالجته فجمعونى أيضا معهم ، فرأوا معالجتى خيرا من معالجات كلّهم ، فصلح على يدي ، فسألت أن يوصى بخازن كتبه ان يعيرني كلّ كتاب طلبت ففعل فرأيت في خزانته كتب الحكمة من تصانيف أبى نصر بن طرخان الفارابي ، فاشتغلت بتحصيل الحكمة ليلا ونهارا حتّى حصّلتها ، فلمّا انتهى عمرى إلى أربع وعشرين كنت أفكّر في نفسي ما كان شئ من العلوم انّى لا أعرفه انتهى « 1 » . وذكر صاحب « روضة الصّفا » انّ والد أبى على المذكور كان من عمّال بلخ وتزوّج بامرأة من الرساتيق اسمها ستارة ، فولد أبو علي منها في سنة ست وسبعين وثلاثمائة وولد محمود منها بعد خمس سنين ، فارتحل أبوه إلى بخارا وجعله في المكتب ، فلمّا بلغ عشرا فرغ من أصول العربيّة وقواعد الأدب ، وكان أبوه بعد فراغه من الأشغال الدّيوانية يطالع اخوان الصّفا ، وكذا أبو علىّ في بعض الأحيان ، وكان في بخارا بقّال يسمّى بمحمود المسّاح ، له يد في الحساب والجبر والمقابلة ، فقرأ عنده بأمر أبيه الحساب ، وقرأ عند الحكيم أبى عبد اللّه الناتلى « 2 » المذكور اسمه في « تاريخ الحكماء » قسم المنطق وكذا أقليدس والمجسطى ، وكان قد اضافه أبوه في داره ، ثمّ اشتغل بالطبيعى والإلهي ثمّ بعد ذلك بالطّب ، فبلغ بقليل من الزّمان مرتبة لم يبلغها أحد قبله ، وكان يحضر مجلسه الأطبّاء الحذاق ، ومع هذا كان يتردّد إلى مجلس إسماعيل الزّاهد لقراءة الفقه والأصول ، ولم يكن في آن فارغا من المطالعة والكتابة ، وقليلا من اللّيل يهجع ويراعى شرايط قواعد المنطق في تحصيل المطالب ، وإذا تردّد في مسئلة يتوضأ ويعزم جامع البلد ، فيصلّى فيه ركعتين بالخشوع ، ويشتغل بالدّعاء والاستعانة إلى أن ترتفع شبهته ، وكان يأتي اللّيل إلى الوثاق ويهيّئ السّراج ويشتغل بالقراءة والكتابة وإذا غلبه النّوم شرب قدحا من الخمر ، ولم يكن أحد من حكماء الإسلام شرب قبله بل حكماء قبل الاسلام من اليونانيّين لم ينسبوا إلى هذا الامر الشّنيع وكان أبو علي يبالغ في اجراء الشّهوة ، وأكثر الحكماء بعده اقتدوا به في اتباع الملاذ النّفسانيّة فصاروا بعد وفاتهم

--> ( 1 ) راجع آثار البلاد في ذيل ترجمة أفشنة : 299 . ( 2 ) ناتلة بكسر التاء المثناة من فوقها ، ولام ، ويقال بغير هاء « ناتل » مدينة بطبرستان .